محمد متولي الشعراوي

10842

تفسير الشعراوي

معنى { غَآئِبَةٍ } [ النمل : 75 ] يعني : الشيء الغائب ، ولحقتْ به التاء الدالة على المبالغة ، كما نقول في المبالغة : راوٍ ورواية ، ونسَّاب ونسَّابه ، وعالم وعلامة ، كذلك غائب وغائبة ، مبالغة في خفائها . و ( مِنْ ) هنا يرى البعض أنها زائدة ، لكن كلمة زائدة لا تليق بأسلوب القرآن الكريم وفصاحته ، ونُنزِّه كلام الله عن الحشو واللغو الذي لا معنى له ، والبعض تأدب مع القرآن فقال ( من ) هنا صلة ، لكن صلة لأي شيء ؟ إذن : لا بد أن لها معنى لكي نوضحه نقول : إذا أردتَ أنْ تنفي وجود مال معك تقول : ما عندي مال ، وهذا يعني أنه لا مالَ معك يُعتَدّ به ، ولا يمنع أن يكون معك مثلاً عدة قروش لا يقال لها مال ، فإن أردتَ نفي المال على سبيل تأصيل العموم في النفس تقول : ما عندي من مال ، يعني بداية ممَّا يُقال له مال مهما صَغُر ، فمِنْ هنا إذن ليست زائدةً ولا صلةً ، إنما هي للغاية وتأصيل العموم في النفي . فالمعنى { وَمَا مِنْ غَآئِبَةٍ فِي السماء والأرض إِلاَّ فِي كِتَابٍ مُّبِينٍ } [ النمل : 75 ] أن الله تعالى يحيط علمه أزلاً بكل شيء ، مهما كان صغيراً لا يُعتدُّ به ، واقرأ قوله تعالى : { وَمَا تَسْقُطُ مِن وَرَقَةٍ إِلاَّ يَعْلَمُهَا وَلاَ حَبَّةٍ فِي ظُلُمَاتِ الأرض وَلاَ رَطْبٍ وَلاَ يَابِسٍ إِلاَّ فِي كِتَابٍ مُّبِينٍ } [ الأنعام : 59 ] . كما أن قدرته تعالى لا تقف عند حد العلم إنما ويسجله { إِلاَّ فِي كِتَابٍ مُّبِينٍ } [ النمل : 75 ] أي في أُمِّ الكتاب الذي سجَّل الله فيه كل أحداث الكون ، فإذا ما جاءتْ الأحداث نراها مُوافِقة لما سجّله الله عنها